الشيخ محمد هادي معرفة

49

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

كلامه تعالى فيما زعموا . . . . لأنّه قائل بأنّ الكلام في ذاته عرض ، والعرض عند المعتزلة حركة ، وهو قائم بجسم ، فيستحيل أن يقوم به تعالى إذ لا يكون محلًاّ للأعراض . فليس كلامه تعالى سوى ما يبدو من المحلّ الصادر منه إن شجرةً أو إنسانا . فالكلام الصادر من الشّجرة فعل لها ، والصادر من إنسان ، فعل له . وإن كان بإرادة اللّه ومشيئته سبحانه . . . « 1 » قالوا : فمعنى ذلك : أنّ كلامه تعالى الصادر عن محلّ ، عبارة عن استعداد وقابليّة يخلقها اللّه في شجرة أو يمنحها لإنسان ، فيقوم هو بإنشاء كلام يتجلّى فيه إرادته تعالى . فالكلام الصادر من الشجرة فعلها والصادر من إنسان فعله ، وإن كان في ذاته منسوبا إليه تعالى ، لأنّه إنّما صدر وفق إرادة اللّه . وهكذا استندوا إلى ما نسبه إليه الراوندي قائلًا : « وكان ( أي معمّر ) يزعم أنّ القرآن ليس من فعل اللّه ولا هو صفة له في ذاته كما تقول العوامّ ، ولكنّه من أفعال الطبيعة . . . » . لكنّ أبالحسين الخيّاط المعتزلي رفض هذه النسبة رفضا باتّا ، قال : « إعلم - أرشدك اللّه إلى الخير - أنّ معمّرا كان يزعم أنّ اللّه هو المكلّم بالقرآن ، وأنّ القرآن قول اللّه وكلامه ووحيه وتنزيله لامكلّم له سواه ولا قائل له غيره ، وأنّ القرآن مُحدَث لم يكن ثم كان . . . » . « 2 » لكن رغم ذلك نجد أنّ بعض المستشرقين الأجانب ، « 3 » وتبعه بعض الكتّاب الإسلاميين « 4 » متابعة من غير تحقيق ، ذهب إلى أنّ معمّرا يقول بأنّ القرآن ليس من كلامه تعالى ، وأنّ اللّه سبحانه أعطى نبيّه قابليّة أن يصوغ كلاما يفرغ فيه إرادة اللّه التي كان يتلقّاها بالوحي على نفسه . وهو استنتاج باطل بعد كونه قياسا محضا وليس من صريح كلامه ؛ هذا وقوله تعالى :

--> ( 1 ) - جاء في مقالات الإسلاميين ، ج 1 ، ص 268 : « والفرقة الخامسة منهم أصحاب معمّر ، يزعمون أنّ القرآن عرض ، ومحال أن يكون اللّه فَعَلَه في الحقيقة ، لأنّهم يُحيلون أن تكون الأعراض فعلًا للّه . وزعموا أنّ القرآن فعل للمكان الذي يُسمَع منه ، إن سُمع من شجرة فهو فعل لها ، وحيثما سمع فهو فعل للمحل الذي حلّ فيه » . ( 2 ) - راجع : كتابه « الانتصار » ، ص 104 . ( 3 ) - هو : « هري أوسترين ولفسِن » في كتابه « فلسفة علم الكلام » ترجمة أحمد آرام ، ص 298 و 302 . ( 4 ) - هو : « مقصود فراستخواه » في كتابه « زبان قرآن » ص 305 وفي مقال له في مجلة « فرا راه » ع 1 / 1337 ، ص 23 .